أحمد بن عبد الرزاق الدويش
44
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
ج 1 : هذا من البدع ، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » ( 1 ) ، وقوله في الحديث : « وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة » ( 2 ) . والعبادات مبناها على الأمر والنهي والاتباع ، وهذا العمل لم يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يفعله ولا فعله أحد من الخلفاء الراشدين ولا من الصحابة والتابعين . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ألفاظ الحديث الصحيح : « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » ( 3 ) ، وهذا العمل ليس عليه أمره صلى الله عليه وسلم فيكون مردودا يجب إنكاره ؛ لدخوله فيما أنكره الله ورسوله ، قال تعالى : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } ( 4 ) وهذا الأمر مما أحدثه الجهلة بغير هدى من الله ، وقد كتب سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رسالة في [ حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج ] ( 5 ) اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو . . . نائب رئيس اللجنة . . . الرئيس عبد الله بن غديان . . . عبد الرزاق عفيفي . . . عبد العزيز بن عبد الله بن باز س 2 : وهكذا يجتمعون ليلة سبع عشرة من رمضان ويقرأون سورة يس والمولد في مساجدهم هل هذا العمل جائز ؟ ج 2 الإجابة عن هذا السؤال هي الإجابة عن السؤال الأول ؛ لأن الحكم في الحالتين واحد وهو المنع ؛ للأدلة المتقدمة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو . . . نائب رئيس اللجنة . . . الرئيس عبد الله بن غديان . . . عبد الرزاق عفيفي . . . عبد العزيز بن عبد الله بن باز س 5 : هل يجوز الدعاء بعد صلاة الفرائض للإمام والناس كلهم مجتمعون ؟ ج 5 العبادات مبنية على التوقيف فلا يجوز أن يقال إن هذه العبادة مشروعة من جهة أصلها أو عددها أو هيئاتها أو مكانها إلا بدليل شرعي يدل على ذلك ، ولا نعلم سنة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لا من قوله ولا من فعله ولا من تقريره ، والخير كله باتباع هديه صلى الله عليه وسلم ، وهديه صلى الله عليه
--> ( 1 ) صحيح البخاري الصلح ( 2550 ) , صحيح مسلم الأقضية ( 1718 ) , سنن أبو داود السنة ( 4606 ) , سنن ابن ماجة المقدمة ( 14 ) , مسند أحمد بن حنبل ( 6 / 270 ) . ( 2 ) سنن أبو داود السنة ( 4607 ) , سنن الدارمي المقدمة ( 95 ) . ( 3 ) صحيح البخاري الصلح ( 2550 ) , صحيح مسلم الأقضية ( 1718 ) , سنن أبو داود السنة ( 4606 ) , سنن ابن ماجة المقدمة ( 14 ) , مسند أحمد بن حنبل ( 6 / 256 ) . ( 4 ) سورة الشورى الآية 21 ( 5 ) نص ما كتبه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في [ حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان ] . الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه . أما بعد : فلا ريب أن الإسراء والمعراج من آيات الله العظيمة الدالة على صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى عظم منزلته عند الله عز وجل ، كما أنها من الدلائل على قدرة الله الباهرة ، وعلى علوه سبحانه على جميع خلقه ، قال الله تعالى : سبحان الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الإسراء : 1 ] وتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عرج به إلى السماوات وفتحت له أبوابها حتى جاوز السماء السابعة ، فكلمه ربه سبحانه بما أراد وفرض عليه الصلوات الخمس . وكان الله سبحانه فرضها أولًا خمسين صلاة فلم يزل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يراجعه ويسأله التخفيف حتى جعلها خمسًا ، فهي خمس في الفرض وخمسون في الأجر ؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها ، فلله الحمد والشكر على جميع نعمه . وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها ، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث ، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها ، ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات ، فلم يجز لهم أن يحتفلوا بها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها ، ولم يخصوها بشيء ، ولو كان الاحتفال بها أمرًا مشروعًا لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة ، إما بالقول أو الفعل ، ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر ولنقله الصحابة رضي الله عنهم إلينا ، فقد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كل شيء تحتاجه الأمة ولم يفرطوا في شيء من الدين ، بل هم السابقون إلى كل خير ، فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعًا لكانوا أسبق الناس إليه ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أنصح الناس للناس ، وقد بلغ الرسالة غاية البلاغ ، وأدى الأمانة ، فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الإسلام لم يغفله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتمه ، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليسا من الإسلام في شيء ، وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها وأتم عليها النعمة ، وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله ، قال سبحانه وتعالى في كتابه المبين من سورة المائدة اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [ المائدة : 3 ] وقال عز وجل في سورة الشورى : أم لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ الشورى : 21 ] وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة : التحذير من البدع ، والتصريح بأنها ضلالة ؛ تنبيهًا للأمة على عظم خطرها ، وتنفيرًا لهم من اقترافها ، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين ، عن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفي رواية لمسلم : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد وفي [ صحيح مسلم ] ، عن جابر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم الجمعة : أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة وفي السنن ، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون ، فقلنا : يا رسول الله ، كأنها موعظة مودع فأوصنا ، فقال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة ، وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة والأحاديث في هذا المعنى كثيرة . وقد ثبت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن السلف الصالح بعدهم : التحذير من البدع والترهيب منها ؛ وما ذاك إلا لأنها زيادة في الدين ، وشرع لم يأذن به الله ، وتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم في دينهم وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله ، ولأن لازمها التنقص للدين الإسلامي واتهامه بعدم الكمال ، ومعلوم ما في هذا من الفساد العظيم والمنكر الشنيع والمصادمة لقول الله عز وجل : اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] والمخالفة الصريحة لأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام المحذرة من البدع والمنفرة منها . وأرجو أن يكون فيما ذكرناه من الأدلة كفاية ومقنع لطالب الحق في إنكار هذه البدعة - أعني : بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج - والتحذير منها ، وأنها ليست من دين الإسلام في شيء ، ولما أوجب الله من النصح للمسلمين وبيان ما شرع الله لهم من الدين وتحريم كتمان العلم - رأيت تنبيه إخواني المسلمين على هذه البدعة التي قد فشت في كثير من الأمصار حتى ظنها بعض الناس من الدين . والله المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين جميعا ، ويمنحهم الفقه في الدين ، ويوفقنا وإياهم للتمسك بالحق والثبات عليه وترك ما خالفه ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ، وآله وصحبه . حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان الحمد لله الذي أكمل لنا الدين ، وأتم علينا النعمة ، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد نبي التوبة والرحمة . أما بعد : فقد قال الله تعالى : اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [ المائدة : 3 ] وقال تعالى : أم لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ الآية [ الشورى : 21 ] وفي الصحيحين ، عن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفي لفظ لمسلم : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد وفي [ صحيح مسلم ] ، عن جابر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبة يوم الجمعة : أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، وهي تدل دلالة صريحة على أن الله سبحانه وتعالى قد أكمل لهذه الأمة دينها ، وأتم عليها نعمته ، ولم يتوف نبيه عليه الصلاة والسلام إلا بعد ما بلغ البلاغ المبين ، وبين للأمة كل ما شرعه الله لها من أقوال وأعمال ، وأوضح صلى الله عليه وسلم : أن كل ما يحدثه الناس بعده وينسبونه إلى دين الإسلام من أقوال أو أعمال ، فكله بدعة مردود على من أحدثه ، ولو حسن قصده ، وقد عرف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر ، وهكذا علماء الإسلام بعدهم فأنكروا البدع وحذروا منها ، كما ذكر ذلك كل من صنف في تعظيم السنة وإنكار البدعة ؛ كابن وضاح ، والطرطوشي ، وأبي شامة ، وغيرهم . ومن البدع التي أحدثها بعض الناس : بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان ، وتخصيص يومها بالصيام ، وليس على ذلك دليل يجوز الاعتماد عليه ، وقد ورد في فضلها أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها ، أما ما ورد في فضل الصلاة فيها فكله موضوع ، كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم ، وسيأتي ذكر بعض كلامهم إن شاء الله . وورد فيها أيضًا آثار عن بعض السلف من أهل الشام وغيرهم . والذي عليه جمهور العلماء : أن الاحتفال بها بدعة ، وأن الأحاديث الواردة في فضلها كلها ضعيفة وبعضها موضوع ، وممن نبه على ذلك الحافظ ابن رجب في كتابه [ لطائف المعارف ] وغيره ، والأحاديث الضعيفة إنما يعمل بها في العبادات التي قد ثبت أصلها بأدلة صحيحة ، أما الاحتفال بليلة النصف من شعبان فليس له أصل صحيح حتى يستأنس له بالأحاديث الضعيفة . وقد ذكر هذه القاعدة الجليلة الإمام أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله . وأنا أنقل لك أيها القارئ ما قاله بعض أهل العلم في هذه المسألة حتى تكون على بينة من ذلك ، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن الواجب : رد ما تنازع فيه الناس من المسائل إلى كتاب الله عز وجل وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما حكما به أو أحدهما فهو الشرع الواجب الاتباع ، وما خالفهما وجب اطراحه ، وما لم يرد فيهما من العبادات فهو بدعة لا يجوز فعله فضلًا عن الدعوة إليه وتحبيذه ، كما قال الله سبحانه في سورة النساء : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [ النساء : 59 ] وقال تعالى : وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [ الشورى : 10 ] وقال تعالى : قل إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ الآية [ آل عمران : 31 ] وقال عز وجل : فلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا النساء : 65 ] والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وهي نص في وجوب رد مسائل الخلاف إلى الكتاب والسنة ، ووجوب الرضى بحكمهما ، وإن ذلك هو مقتضى الإيمان ، وخير للعباد في العاجل والآجل وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي : عاقبة . قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه [ لطائف المعارف ] في هذه المسألة بعد كلام سبق ما نصه : ( وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ، ومكحول ، ولقمان بن عامر ، وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة ، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها ، وقد قيل : أنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية ، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك . فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم ، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء ، وابن أبي مليكة ، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة ، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم ، وقالوا : ذلك كله بدعة . واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين : أحدهما : أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد ، كان خالد بن معدان ، ولقمان بن عامر ، وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويتكحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك ، وقال في قيامها في المساجد جماعة : ليس ذلك ببدعة ، نقله حرب الكرماني في مسائله . والثاني : أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء ، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه ، وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم ، وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى . . إلى أن قال : ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان ، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان : من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد ، فإنه ( في رواية ) لم يستحب قيامها جماعة ؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، واستحبها ( في رواية ) لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود لذلك وهو من التابعين ، فكذلك قيام ليلة النصف لم يثبت فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أصحابه ، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء ( أهل الشام ) انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله ، وفيه التصريح منه بأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم شيء في ليلة النصف من شعبان ، وأما ما اختاره الأوزاعي رحمه الله من استحباب قيامها للأفراد ، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول فهو غريب وضعيف ؛ لأن كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعًا لم يجز للمسلم أن يحدثه في دين الله سواء فعله مفردًا أو في جماعة ، وسواء أسره أو أعلنه ، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها . وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله في كتابه [ الحوادث والبدع ] ما نصه : ( وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم قال : ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان ، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول ، ولا يرون لها فضلًا على ما سواها ) وقيل لابن أبي مليكة : إن زيادًا النميري يقول : إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر ، فقال : لو سمعته وبيدي عصا لضربته ، وكان زياد قاصًا . انتهى المقصود . وقال العلامة الشوكاني رحمه الله في [ الفوائد المجموعة ] ما نصه : حديث : " يا علي ، من صلى مائة ركعة ليلة النصف من شعبان يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و ( قل هو الله أحد ) عشر مرات إلا قضى له كل حاجة . . . " إلخ . هو موضوع ، وفي ألفاظه المصرحة بما يناله فاعلها من الثواب ما لا يمتري إنسان له تمييز في وضعه ، ورجاله مجهولون ، وقد روي من طريق ثانية وثالثة كلها موضوعة ، ورواتها مجاهيل ، وقال في [ المختصر ] : حديث : صلاة نصف شعبان باطل ، ولابن حبان من حديث علي " إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها " رواه البيهقي في [ شعب الإيمان ] ، وابن ماجة عن علي ضعيف ، وقال في [ اللآلئ ] : مائة ركعة في نصف شعبان بالإخلاص عشر مرات مع طول فضله للديلمي وغيره موضوع ، وجمهور رواته في الطرق الثلاث مجاهيل ضعفاء ، قال : ( واثنتا عشرة ركعة بالإخلاص ثلاثين مرة ) موضوع ، ( وأربع عشرة ركعة ) موضوع . وقد اغتر بهذا الحديث جماعة من الفقهاء ، كصاحب [ الإحياء ] وغيره ، وكذا من المفسرين ، وقد رويت صلاة هذه الليلة - أعني : ليلة النصف من شعبان - على أنحاء مختلفة كلها باطلة موضوعة ، ولا ينافي هذا رواية الترمذي من حديث عائشة لذهابه صلى الله عليه وسلم إلى البقيع ونزول الرب ليلة النصف إلى سماء الدنيا وأنه يغفر لأكثر من عدة شعر غنم كلب ، فإن الكلام إنما هو في هذه الصلاة الموضوعة في هذه الليلة ، على أن حديث عائشة هذا فيه ضعف وانقطاع ، كما أن حديث علي الذي تقدم ذكره في قيام ليلها لا ينافي كون هذه الصلاة موضوعة على ما فيه من الضعف حسبما ذكرناه . انتهى المقصود . وقال الحافظ العراقي : حديث : " صلاة ليلة النصف " موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذب عليه ، وقال الإمام النووي في كتاب [ المجموع ] : ( الصلاة المعروفة ب - : صلاة الرغائب ، وهي : اثنتا عشرة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب ، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة ، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان ، ولا يغتر بذكرهما في كتاب [ قوت القلوب ] و [ إحياء علوم الدين ] ولا بالحديث المذكور فيهما ، فإن كل ذلك باطل ، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما ، فإنه غالط في ذلك . وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي كتابًا نفيسا في إبطالهما فأحسن فيه وأجاد ، وكلام أهل العلم في هذه المسألة كثير جدًا ، ولو ذهبنا ننقل كل ما اطلعنا عليه من كلامهم في هذه المسألة لطال بنا الكلام ، ولعل فيما ذكرنا كفايةً ومقنعًا لطالب الحق . ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم يتضح لطالب الحق : أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها وتخصيص يومها بالصيام بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم ، وليس له أصل في الشرع المطهر ، بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم ، ويكفي طالب الحق في هذا الباب وغيره قول الله عز وجل : اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] وما جاء في معناها من الآيات ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وما جاء في معناه من الأحاديث ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تخصوا يومها بالصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم فلو كان تخصيص شيء من الليالي بشيء من العبادة جائزا لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها ؛ لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تخصيصها بقيام من بين الليالي دل ذلك على : أن غيرها من الليالي من باب أولى ، لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة إلا بدليل صحيح يدل على التخصيص ، ولما كانت ليلة القدر وليالي رمضان يشرع قيامها والاجتهاد فيها نبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ، وحث الأمة على قيامها ، وفعل ذلك بنفسه ، كما في الصحيحين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه فلو كانت ليلة النصف من شعبان ، أو ليلة أول جمعة من رجب ، أو ليلة الإسراء والمعراج ، يشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة لأرشد النبي صلى الله عليه وسلم الأمة إليه ، أو فعله بنفسه ، ولو وقع شيء من ذلك لنقله الصحابة رضي الله عنهم إلى الأمة ولم يكتموه عنهم ، وهم خير الناس وأنصح الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ورضي الله عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرضاهم . وقد عرفت آنفًا من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب ولا في فضل ليلة النصف من شعبان ، فعلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام ، وهكذا تخصيصهما بشيء من العبادة بدعة منكرة ، وهكذا ليلة سبع وعشرين من رجب التي يعتقد البعض أنها ليلة الإسراء والمعراج لا يجوز تخصيصها بشيء من العبادة ، كما لا يجوز الاحتفال بها ؛ للأدلة السابقة . هذا لو علمت ، فكيف والصحيح من أقوال العلماء أنها لا تعرف ، وقول من قال : إنها ليلة سبع وعشرين من رجب قول باطل لا أساس له في الأحاديث الصحيحة ، ولقد أحسن من قال : وخير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع والله المسؤول أن يوفقنا وسائر المسلمين للتمسك بالسنة ، والثبات عليها ، والحذر مما خالفها ، إنه جواد كريم ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين